مقدمة البحث
يُعدّ موقف الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) من أهم المنعطفات السياسية والفكرية في التاريخ الإسلامي، إذ مثّل صلحه مع معاوية بن أبي سفيان حدثًا مفصليًا انتقل فيه الصراع من ساحة المواجهة العسكرية إلى ميدان المواجهة العقدية والسياسية طويلة الأمد. وقد وقع هذا الصلح في ظرف بالغ التعقيد عقب استشهاد الإمام علي بن أبي طالب سنة 40هـ، حيث واجه الإمام الحسن واقعًا مضطربًا: جيشًا منهكًا، انقسامات داخلية، خيانات متكررة، وضغطًا سياسيًا واسعًا من الدولة الأموية الناشئة.
لم يكن الصلح تعبيرًا عن ضعف أو تنازل عن مبدأ، بل كان خطوة استراتيجية تهدف إلى حقن دماء المسلمين، وكشف حقيقة الحكم الأموي أمام الأمة، وصيانة الخط الرسالي الذي يمثله أهل البيت (عليهم السلام). وقد تضمّن الصلح بنودًا واضحة اشترط فيها الإمام الحسن على معاوية الالتزام بكتاب الله وسنة نبيه، وألا يعهد بالأمر إلى أحد بعده، وألا يتعرض لشيعة علي وأهل بيته بسوء. غير أن المصادر التاريخية تذكر أن معاوية نقض تلك البنود صراحة، وأعلن ذلك في خطبته الشهيرة في الكوفة، مما كشف طبيعة المشروع السياسي الذي كان يسعى إليه.
ومن هنا تبرز أهمية دراسة خطب الإمام الحسن (عليه السلام) بعد الصلح، إذ مثّلت هذه الخطب وثائق إدانة صريحة لمعاوية وسياساته، وكشفت للرأي العام الإسلامي حقيقة الانحراف عن مسار الخلافة الراشدة إلى الملك العضوض. إن تحليل هذه المرحلة لا يهدف إلى استعادة حدث تاريخي فحسب، بل إلى فهم فلسفة القيادة عند الإمام الحسن، ومنهجه في إدارة الأزمات، وحدود المصلحة الشرعية في مواجهة الانحراف السياسي.
وعليه، فإن هذا البحث يسعى إلى:
بيان الظروف السياسية والعسكرية التي سبقت الصلح.
عرض بنود الصلح كما وردت في المصادر التاريخية.
تحليل دوافع الإمام الحسن وأهدافه الاستراتيجية.
دراسة خطبه التي أدان فيها معاوية بعد نقض الصلح،
مع توثيقها من المصادر الأصلية.
أولاً: التأصيل النبوي لفكرة الصلح — المقارنة المنهجية
إن فهم صلح الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) لا يمكن أن ينفصل عن المنهج السياسي والقيادي لجدّه النبي محمد ﷺ، خصوصًا في واقعة صلح الحديبية سنة 6هـ.
فقد قبل النبي ﷺ شروطًا ظاهرها الإجحاف بالمسلمين، منها:
حذف عبارة “رسول الله” من الوثيقة.
إعادة من يأتي من قريش مسلمًا إلى مكة.
تأجيل العمرة إلى العام التالي.
وقد نقل تفاصيل الشروط:
ابن هشام، السيرة النبوية، ج3، ص331–334. الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج2، ص623–625.
وقد اعترض بعض الصحابة آنذاك وعدّوا الصلح تنازلًا، لكن القرآن وصفه بأنه فتح مبين (سورة الفتح: 1). والنتيجة التاريخية أثبتت أن الهدنة مكّنت الإسلام من الانتشار السياسي والعقدي بصورة أوسع مما حققته المواجهة العسكرية.
وجه الشبه المنهجي
التشابه بين الحديبية وصلح الإمام الحسن يقوم على ثلاثة محاور:
تغليب المصلحة العليا على الانتصار العسكري الآني.
كشف الخصم أمام الرأي العام عبر التزام مكتوب.
تحويل الصراع من عسكري إلى فكري–سياسي طويل المدى.
ثانياً: الظروف التي أحاطت بصلح الإمام الحسن
بعد استشهاد الإمام علي بن أبي طالب سنة 40هـ، بايع أهل الكوفة الإمام الحسن. لكن الواقع العسكري كان مختلفًا تمامًا عما كان في صفين:
تسرّب الخوارج. خيانات قادة عسكريين. مراسلات سرية بين قادة في جيش الكوفة ومعاوية بن أبي سفيان.
يذكر الطبري:
“وكتب جماعة من رؤساء الكوفة إلى معاوية في السر بالطاعة له.”
الطبري، التاريخ، ج5، ص158.
كما يذكر ابن الأثير:
“وطعن بعضهم الحسن في فخذه، وانتهبوا متاعه.”
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص405.
هذا يدل على انهيار الانضباط الداخلي، مما جعل خيار الحرب أقرب إلى انتحار عسكري يؤدي إلى إبادة ما تبقى من شيعة علي.
ثالثاً: بنود الصلح ودلالتها السياسية
نصّت وثيقة الصلح — كما أوردها البلاذري — على:
أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة نبيه.
ألا يعهد بالأمر إلى أحد بعده.
أن يأمن الناس، وخاصة شيعة علي.
البلاذري، أنساب الأشراف، ج3، ص42–44.
وذكرها كذلك:
الطبري، ج5، ص160.
هذه البنود تشبه من حيث الوظيفة السياسية “وثيقة الحديبية”: فهي اختبار أخلاقي مكتوب أمام الأمة.
رابعاً: إعلان معاوية نقض الصلح
عندما دخل معاوية الكوفة، خطب قائلاً:
“إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا… إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم.”
الطبري، ج5، ص161.
ابن الأثير، ج3، ص407.
هذا التصريح يُعدّ اعترافًا صريحًا بتحويل الخلافة إلى مشروع سلطوي، وهو ما يكشف أن الإمام الحسن حقق هدفه الاستراتيجي: إظهار حقيقة الصراع.
خامساً: ربط موقف الإمام الحسن بالموقف النبوي
كما قَبَل النبي ﷺ شروط الحديبية لتجنب استنزاف المسلمين، قَبَل الإمام الحسن الصلح لتجنب:
إبادة القاعدة المؤمنة. استئصال أهل البيت سياسيًا. تحويل الصراع إلى اقتتال داخلي دائم.
الفرق أن النبي كان في مرحلة صعود القوة، بينما كان الإمام الحسن في مرحلة انكسار عسكري داخلي. لكن المبدأ واحد: القيادة الرسالية لا تُقاس بالمعركة، بل بحفظ المشروع.
سادساً :نص خطبة الإمام الحسن (عليه السلام) وخطبة
سياق الخطبة: ألقاها الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) في الكوفة بعد دخول معاوية بن أبي سفيان إليها، وبعد أن أعلن نقضه العملي لشروط الصلح
أولاً: رواية الشيخ المفيد
وردت الخطبة في:
الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص13–15، تحقيق مؤسسة آل البيت.
قال المفيد:
فقام الحسن بن علي (عليهما السلام) خطيبًا فقال:
«أيها الناس، إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية. أنا أولى الناس بالناس في كتاب الله وعلى لسان رسول الله ﷺ.
أما والله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها، والأرض بركتها، ولما طمعتَ فيها يا معاوية.
وقد قال رسول الله ﷺ: ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتى يرجعوا إلى ما تركوا.
وإنما هادنتُه لحقن الدماء، وصيانةً لأهل بيتي وشيعتي، ورأيتُ أن حقن دماء المسلمين خيرٌ من سفكها.
وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين».
ثانيًا: رواية البلاذري
ذكرها أيضًا:
البلاذري، أنساب الأشراف، ج3، ص44–45، تحقيق سهيل زكار.
وفيها:
«يا أهل الكوفة، إنكم قد بايعتموني على السمع والطاعة، وإنكم إن وفيتم لي وفيتُ لكم، وإن معاوية نازعني حقًا هو لي دونه، فنظرتُ لصلاح الأمة وقطع الفتنة، وقد علمتم أن أحق الناس بهذا الأمر أنا وأبي من قبلي، ولكني رأيتُ أن أصالحه وأسلّم الأمر إليه، وإن معاوية قد عاهدني عهودًا لا أراه يفي بها».
“فيه الأمر بقتل من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين.”
3) الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ)
في أصول السنة المنقولة عنه:
“ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا.”
أصول السنة، ص23 (طبعة دار المنار).
أي أن حتى المتغلب إذا استقر له الأمر لا يجوز الخروج عليه
4) القاضي عياض (ت 544هـ)
قال:
“أجمع العلماء على أنه لا يجوز الخروج على أئمة الجور…”
إكمال المعلم شرح مسلم، ج6 ص220.
5) أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ)
قال في بيان عقيدة أهل السنة:
“ويرون الصلاة خلف كل بر وفاجر، ولا يرون الخروج على الأئمة.”
مقالات الإسلاميين، ج1 ص323.
6) ابن تيمية (ت 728هـ)
قال:
“ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.”
منهاج السنة، ج3 ص391.
ثالثاً: التفريق بين “الخوارج” و”أهل البغي”
عند فقهاء السنة يوجد تفصيل:
الخوارج: يكفّرون الإمام ويستحلون الدماء. أهل البغي: طائفة لها شوكة خرجت بتأويل.
قال ابن قدامة:
“وأهل البغي قوم من أهل الحق خرجوا عن طاعة الإمام…”
المغني، ج10 ص48.
لكنهم مع ذلك يُقاتَلون لدفع بغيهم، مع بقاء وصف الإسلام لهم.
الخلاصة الفقهية السنية
بحسب جمهور علماء السنة:
إذا انعقدت البيعة لإمام واستقر له الأمر فإن من نازعه بالسيف يُعدّ خارجًا على الجماعة ويُقاتَل دفعًا لفرقة الأمة حتى لو كان الإمام ظالمًا (ما لم يظهر كفر بواح عند بعضهم)
وهذا هو الأصل المعتمد في كتبهم العقدية والفقهية
تل من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين.”
دلالات الخطبة
إثبات أن معاوية كاذب وكشف وجهه الحقيقي وإدانته
إثبات الأحقية الشرعية: استنادًا إلى النص القرآني والنبوي.
التصريح بأن الصلح لم يكن اعترافًا بشرعية معاوية.
التأكيد أن الهدف كان حقن الدماء لا التنازل عن الحق.
التنبؤ بعدم التزام معاوية بالعهد — وهو ما وقع فعلاً.
سابعاً : بنود صلح الإمام الحسن (عليه السلام) كاملة
المصادر التاريخية لا تتفق على صيغة موحّدة بعدد (15) بندًا بنص واحد متصل، وإنما وردت البنود متفرقة في عدة مصادر، وبعضها يذكر 4 أو 5 أو 6 شروط، ثم يجمعها المتأخرون في صورة أوسع. وهنا البنود كاملة كما وردت في أهم المصادر التاريخية القديمة .
الصلح كان بين
و
سنة 41هـ.
المصادر التاريخية لا تتفق على صيغة موحّدة بعدد (15) بندًا بنص واحد متصل، وإنما وردت البنود متفرقة في عدة مصادر، وبعضها يذكر 4 أو 5 أو 6 شروط، ثم يجمعها المتأخرون في صورة أوسع.
المصادر الأساسية:
البلاذري، أنساب الأشراف، ج3 ص42–45 الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج5 ص159–161 ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3 ص404–406 الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2 ص10–14
(1) الحكم بكتاب الله وسنة نبيه
أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
البلاذري، ج3 ص42
الطبري، ج5 ص160
(2) عدم تعيين خليفة بعده
ألا يعهد معاوية بالأمر إلى أحد من بعده، وأن يكون الأمر بعده شورى بين المسلمين.
الطبري، ج5 ص160
ابن الأثير، ج3 ص405
(3) أن يكون الأمر للحسن بعد معاوية
إن حدث بمعاوية حدثٌ كان الأمر للحسن، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين.
المفيد، الإرشاد، ج2 ص11
البلاذري، ج3 ص43
(4) الكف عن سبّ أمير المؤمنين علي
أن يُترك سبّ الإمام علي بن أبي طالب والقنوت عليه في الصلاة.
البلاذري، ج3 ص43
ابن الأثير، ج3 ص405
(5) تأمين شيعة علي
أن يؤمّن شيعة علي وأصحابه، وألا يُتبع أحد منهم بسوء.
الطبري، ج5 ص160
البلاذري، ج3 ص43
(6) الكف عن ملاحقة أحد بسبب ما مضى
ألا يؤاخذ أحدًا بما مضى من الأحداث أيام علي.
الطبري، ج5 ص160
(7) الأمان العام للناس
أن الناس آمنون حيث كانوا في الشام والعراق والحجاز واليمن.
ابن الأثير، ج3 ص405
(8) عدم التعرض للحسن والحسين
ألا يبغي للحسن ولا لأخيه الحسين غائلة سرًا ولا جهرًا.
المفيد، ج2 ص11
(9) إعطاء الحسن ما في بيت مال الكوفة
أن يدفع إليه ما في بيت مال الكوفة (خمسة آلاف ألف درهم تقريبًا).
البلاذري، ج3 ص42
(10) تخصيص خراج دارابجرد
أن يجعل خراج دارابجرد (من فارس) للحسن.
البلاذري، ج3 ص42
ابن الأثير، ج3 ص405
(11) ألا يسميه أمير المؤمنين
ألا يُدعى معاوية بأمير المؤمنين بحضور الحسن.
المفيد، ج2 ص11
(12) تقديم بني هاشم في العطاء
أن يفضّل بني هاشم في العطاء على بني أمية.
البلاذري، ج3 ص43
(13) أداء الحقوق المالية المتأخرة
أن يؤدي ما تأخر من أعطيات أهل العراق.
الطبري، ج5 ص160 (ضمن سياق الأموال)
(14) إيقاف الحرب فورًا
أن توضع الحرب، ويكف كل فريق عن القتال.
مستفاد من نص الطبري، ج5 ص159–160
(15) الالتزام بالعهد علنًا أمام الناس
أن يكون الصلح موثقًا ومعلنًا، وهو ما تم بالفعل قبل دخول الكوفة.
الطبري، ج5 ص160
ثامناً :الإدانة بعد إعلان معاوية نقض الصلح
معاوية نقض أهم هذه البنود علنًا عندما قال في الكوفة:
لما دخل معاوية الكوفة بعد أن وافق على شروط الإمام الحسن عليه السلام وتم إبرام عقد الصلح خطب في الكوفة قائلاً :
“إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا… إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطيت الحسن أشياء تحت قدميّ هاتين”
الطبري تاريخ الأمم والملوك ، ج5 ص161
ابن الأثير، ج3، ص407.
وهذا تصريح مباشر من معاوية الباغي بإسقاط العهد ونقض شروط الصلح
ثم قام الإمام الحسن (عليه السلام) بعده فقال :
«كذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس، فينا كتاب الله وسنة نبيه، وإن هذا الأمر الذي اختلفنا فيه إنما هو حق لنا دونه، وإنما تركناه له إيثارًا لحقن الدماء، وقد علمتم ما شرطتُ عليه»
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص407:
تاسعاً :مخالفات معاوية لبنود صلح الإمام الحسن (عليه السلام)
1) نقضه روح الصلح وإعلانه أن القتال كان للملك لا للدين
من أوضح المخالفات أنه صرّح بعد الصلح بأن هدفه كان التسلّط لا إقامة الدين، وهذا يهدم أصل بند “العمل بكتاب الله وسنة رسوله”.
روى ابن أبي شيبة في المصنف بسند: الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد، قال:
“صلى بنا معاوية الجمعة بالنخيلة… ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا… ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم…”
ابن أبي شيبة، المصنف، كتاب الأمراء، ج7
هذا تصريحٌ صريح بأن الصراع كان على الحكم، وهو بذاته نقضٌ لمعنى الصلح الذي قُيِّد بالعمل بالكتاب والسنة.
2) خرق بند الكفّ عن سبّ علي (عليه السلام) وإحياء سياسة الشتم رسميًا
(أ) نص تاريخي صريح:
“لا تترك شتم علي وذمَّه ..
يروي ابن الأثير في الكامل ضمن أحداث مقتل حجر وأصحابه أن معاوية أوصى واليَه على الكوفة (المغيرة بن شعبة) وصيةً واضحة، وفيها:
“لا تترك شتم علي وذمَّه …”
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ضمن “ثم دخلت سنة إحدى وخمسين”، ج3 ص69
وهذه وحدها تكفي لإثبات أن بند “ترك السبّ” (كما تشترط كثير من صيغ الصلح) لم يُحترم.
(ب) دليل حديثي صحيح: طلب معاوية من سعد أن يسبّ “أبا تراب”
ثبت في صحيح مسلم حديث سعد بن أبي وقاص:
“قال معاوية لسعد: ما منعك أن تسبّ أبا تراب…”
والتخريج: مسلم (2404)، وغيره، مع شرحٍ يذكر قوّة الإسناد.
هذا يُثبت على الأقل وجود طلبٍ رسمي بالسبّ في زمن معاوية، وهو خلاف مقتضى الصلح والأمان
3) خرق بند الأمان لشيعة علي: قتل حجر بن عدي وأصحابه وقتل عمرو بن الحمق
أخطر المخالفات: إسقاط الأمان عن رموز شيعة علي وقتلهم/تسليمهم للقتل.
(أ) مقتل حجر بن عدي وأصحابه (مرج عذراء)
ابن الأثير يسرد القصة ضمن سنة 51هـ، ويذكر تفاصيل تسليم حجر وأصحابه ثم قتلهم.
ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3 ص69 وما بعدها (عرض إسلام ويب).
والنص نفسه يبيّن أن السبب المباشر كان موقف حجر من شتم علي في المسجد، أي أن القتل جاء في سياق سياسة السبّ والقمع.
(ب) مقتل عمرو بن الحمق
وفي نفس الموضع يذكر قصة عمرو بن الحمق: خروجه واختفاؤه ثم أخذه أسيرًا وكتابة عامل الموصل إلى معاوية ثم ورود كتاب معاوية بشأنه.
ابن الأثير، الكامل، ج3 ضمن سنة 51هـ (عرض إسلام ويب).
هذه الأحداث تعارض مباشرة بند: “تأمين شيعة علي وألا يُتبع أحد منهم بسوء”.
4) خرق بند “عدم العهد لأحد بعده”: أخذ البيعة ليزيد في حياته
من أشهر شروط الصلح في أكثر الصيغ: ألا يعهد معاوية بالخلافة لأحد بعده. لكن الواقع التاريخي أنه أخذ البيعة لابنه يزيد في حياته.
نصّ السيوطي في تاريخ الخلفاء على ذلك صراحة:
“دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد فبايعوه… ثم كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة له…”
السيوطي، تاريخ الخلفاء، باب خلافة معاوية، فقرة “أخذ البيعة ليزيد”.
وكذلك تذكر مصادر التاريخ أن البيعة ليزيد أُريد أخذها قسرًا قبل انتشار خبر موت معاوية، في رواية الطبري عن نصيحة مروان للوليد بن عتبة بإجبار المعارضين على البيعة فورًا.
الطبري، تاريخ الرسل والملوك (الشاملة)، موضع: “ثم دخلت سنة ستين”.
هذا وحده نقض مباشر لبند “لا يَعهد إلى أحد”.
5) خرق بند “الأمان العام وترك الملاحقة”: سياسة الإكراه والتهديد لأخذ البيعة
رواية الطبري في أحداث سنة 60هـ تُظهر منطق السلطة:
الدعوة للبيعة فورًا، فإن أبوا قُدِّموا وضُربت أعناقهم قبل انتشار الخبر…
الطبري (الشاملة) في سياق تولية يزيد وأخذ البيعة.
وهذا يتنافى مع روح “الأمان العام” ووقف الفتنة الذي كان الصلح لأجله.
خلاصة “المخالفات المثبتة بالنص”
بالمصادر أعلاه ثبت لدينا بالنصوص:
*إعلان معاوية أن القتال كان للملك لا للدين.
*استمرار سبّ علي رسميًا (وصية “لا تترك شتم علي”) + دليل صحيح مسلم على طلب السب.
*نقض الأمان بقتل حجر وأصحابه وعمرو بن الحمق.
*نقض شرط عدم العهد بأخذ البيعة ليزيد وتعميمها.
* إشارات واضحة للإكراه والتهديد في أخذ البيعة.
عاشراً : خروج معاوية ومحاربته للإمام الحسن (عليه السلام) قبل الصلح وهل يُعدّ ذلك خروجًا على الخليفة القائم آنذاك
(1) ثبوت بيعة الإمام الحسن
بعد استشهاد
بايع أهل العراق الإمام الحسن بالخلافة.
الطبري، ج5 ص153
ابن الأثير، ج3 ص403
الطبري يذكر نصًا:
“فبايع الناس الحسن بن علي…”
إذن من الناحية التاريخية:
الإمام الحسن كان الخليفة المُبايَع في الكوفة والعراق.
(2) رفض معاوية البيعة وسيره بجيش
الطبري يذكر أن معاوية لم يعترف ببيعة الحسن وسار بجيش نحو العراق.
الطبري، ج5 ص156–158
وهذا يعني وقوع مواجهة عسكرية بين جيشين، أحدهما يقوده الخليفة المُبايَع في مركز الخلافة (الكوفة).
(3) توصيف المسألة فقهيًا
من حيث التعريف الفقهي العام عند جمهور الفقهاء:
الخروج هو:
منازعة الإمام المتغلب أو الخليفة القائم بالسيف.
وقد ثبت تاريخيًا أن الحسن بويع بالخلافة، فإن تحرك معاوية عسكريًا ضده يدخل في إطار المنازعة بالسيف.
لكن المصادر السنية التقليدية غالبًا لا تصفه “خارجيًا”، بل تعتبر الأمر نزاعًا سياسيًا على أحقية الخلافة.
خلاصة تحليلية :
تاريخيًا مثبت بالنصوص:
الإمام الحسن بويع بالخلافة بعد علي. معاوية لم يبايع وسار بجيش نحوه. حصلت تعبئة عسكرية فعلية. انتهى الأمر بالصلح. معاوية صرّح بإسقاط شروط الصلح. خالف بند عدم التوريث. خالف بند الأمان. استمرت سياسة السبّ.
بناءً على ذلك:
أذن : قتال معاوية للحسن قبل الصلح كان منازعةً عسكريةً للخليفة المُبايَع في العراق.
وما وقع بعد الصلح يُعدّ نقضًا صريحًا للعهد وفق نصوص المؤرخين أنفسهم
أقوال علماء أهل السنة في حكم من يُنازع الخليفة أو الإمام القائم بالسيف
ملاحظة: عند أهل السنة يُستعمل غالبًا لفظ “الإمام” أو “وليّ الأمر”، ويُعبَّر عن الخارجين بلفظ “الخوارج” أو “أهل البغي” بحسب الحال
أولاً: النصوص الحديثية التي اعتمد عليها فقهاء السنة
1) حديث وجوب الطاعة وتحريم المنازعة
قال النبي ﷺ:
“من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه.”
رواه صحيح مسلم
كتاب الإمارة، حديث رقم 1852.
هذا الحديث أصلٌ عندهم في تحريم منازعة الإمام القائم إذا انعقدت له البيعة.
2) حديث الخروج على الإمام
“من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية.”
صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 1848.
ثانياً: أقوال كبار علماء السنة
1) الإمام النووي (ت 676هـ)
في شرحه لصحيح مسلم قال:
“وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين.”
النووي شرح صحيح مسلم، ج12 ص229.
ويؤكد أن مجرد الظلم لا يبيح الخروج المسلح.
2) الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)
قال في شرح حديث “من أتاكم وأمركم جميع…”:
فتح الباري، ج13 ص7.
3) الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ)
في أصول السنة المنقولة عنه:
“ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا.”
أصول السنة، ص23 (طبعة دار المنار).
أي أن حتى المتغلب إذا استقر له الأمر لا يجوز الخروج عليه.
4) القاضي عياض (ت 544هـ)
قال:
“أجمع العلماء على أنه لا يجوز الخروج على أئمة الجور…”
إكمال المعلم شرح مسلم، ج6 ص220.
5) أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ)
قال في بيان عقيدة أهل السنة:
“ويرون الصلاة خلف كل بر وفاجر، ولا يرون الخروج على الأئمة.”
مقالات الإسلاميين، ج1 ص323.
6) ابن تيمية (ت 728هـ)
قال:
“ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.”
منهاج السنة، ج3 ص391.
ثالثاً: التفريق بين “الخوارج” و”أهل البغي”
عند فقهاء السنة يوجد تفصيل:
الخوارج: يكفّرون الإمام ويستحلون الدماء أهل البغي: طائفة لها شوكة خرجت بتأويل.
قال ابن قدامة:
“وأهل البغي قوم من أهل الحق خرجوا عن طاعة الإمام…”
المغني، ج10 ص48.
لكنهم مع ذلك يُقاتَلون لدفع بغيهم، مع بقاء وصف الإسلام لهم.
الخلاصة الفقهية السنية
بحسب جمهور علماء السنة:
إذا انعقدت البيعة لإمام واستقر له الأمر فإن من نازعه بالسيف يُعدّ خارجًا على الجماعة ويُقاتَل دفعًا لفرقة الأمة حتى لو كان الإمام ظالمًا (ما لم يظهر كفر بواح عند بعضهم)
وهذا هو الأصل المعتمد في كتبهم العقدية والفقهية
كتاب الإمارة، حديث رقم 1852.
هذا الحديث أصلٌ عندهم في تحريم منازعة الإمام القائم إذا انعقدت له البيعة.
2) حديث الخروج على الإمام
“من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية.”
صحيح مسلم، كتاب الإمارة، حديث رقم 1848.
ثانياً: أقوال كبار علماء السنة
1) الإمام النووي (ت 676هـ)
في شرحه لصحيح مسلم قال:
“وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين.”
شرح صحيح مسلم، ج12 ص229.
ويؤكد أن مجرد الظلم لا يبيح الخروج المسلح.
2) الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ)
قال في شرح حديث “من أتاكم وأمركم جميع…”:
“فيه الأمر بقتل من خرج على الإمام أو أراد تفريق كلمة المسلمين.”
فتح الباري، ج13 ص7.
3) الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ)
في أصول السنة المنقولة عنه:
“ومن غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمّي أمير المؤمنين فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا.”
أصول السنة، ص23 (طبعة دار المنار).
أي أن حتى المتغلب إذا استقر له الأمر لا يجوز الخروج عليه.
4) القاضي عياض (ت 544هـ)
قال:
“أجمع العلماء على أنه لا يجوز الخروج على أئمة الجور…”
إكمال المعلم شرح مسلم، ج6 ص220.
5) أبو الحسن الأشعري (ت 324هـ)
قال في بيان عقيدة أهل السنة:
“ويرون الصلاة خلف كل بر وفاجر، ولا يرون الخروج على الأئمة.”
مقالات الإسلاميين، ج1 ص323.
6) ابن تيمية (ت 728هـ)
قال:
“ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة وترك قتال الأئمة.”
منهاج السنة، ج3 ص391.
ثالثاً: التفريق بين “الخوارج” و”أهل البغي”
عند فقهاء السنة يوجد تفصيل:
الخوارج: يكفّرون الإمام ويستحلون الدماء. أهل البغي: طائفة لها شوكة خرجت بتأويل.
قال ابن قدامة:
“وأهل البغي قوم من أهل الحق خرجوا عن طاعة الإمام…”
المغني، ج10 ص48.
لكنهم مع ذلك يُقاتَلون لدفع بغيهم، مع بقاء وصف الإسلام لهم.
الخلاصة الفقهية السنية
بحسب جمهور علماء السنة:
إذا انعقدت البيعة لإمام واستقر له الأمر فإن من نازعه بالسيف يُعدّ خارجًا على الجماعة ويُقاتَل دفعًا لفرقة الأمة حتى لو كان الإمام ظالمًا (ما لم يظهر كفر بواح عند بعضهم)
وهذا هو الأصل المعتمد في كتبهم العقدية والفقهية