
اولاً :روى الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، من طريق:
حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال:
لمّا بلغت عائشة بعض ديار بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: أيّ ماء هذا؟ قالوا: الحوأب. قالت: ما أظنني إلا راجعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب».
وهذا هو الطريق الأصح للحديث، وعليه مدار كلام المحدّثين.
ثانيًا: تخريج الحديث من مصادر أهل السنّة
مسند أحمد بن حنبل: من طريق شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عائشة. المستدرك على الصحيحين للحاكم: وأخرجه وقال: صحيح على شرط الشيخين. صحيح ابن حبان: أخرجه في كتاب الفتن. مصنف ابن أبي شيبة: بألفاظ متقاربة. المعجم الكبير للطبراني: من طرق أخرى تشهد للأصل.
وتعدّد المخارج يدل على أن الحديث ليس خبرًا آحاد الطريق، بل له شواهد ومعاضدات تقوّي ثبوته.
ثالثًا: تحليل رجال السند
سند الإمام أحمد يدور على خمسة رواة، وكلهم من رجال الاحتجاج:
محمد بن جعفر الهذلي (غندر) إمام حافظ، من أوثق أصحاب شعبة. قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد: ما رأيت أحفظ من غندر. شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، لا يروي إلا عن ثقة، وروايته ميزان في التصحيح. إسماعيل بن أبي خالد كوفي ثقة، أخرج له البخاري ومسلم، وقال أحمد: ثبت. قيس بن أبي حازم تابعي كبير، وثّقه ابن معين والعجلي، وأخرج له الشيخان. وما قيل من تغيّرٍ في آخر عمره لا يؤثّر هنا؛ لأن رواية إسماعيل عنه قديمة منتقاة، وزادها قوةً رواية شعبة عنه. عائشة أم المؤمنين الصحابية الجليلة، والحديث مروي عنها مباشرة.
النتيجة الإسنادية:
السند صحيح متصل، رجاله ثقات أئمة، ولا مطعن معتبر فيه على منهج أهل الحديث.
رابعًا: أقوال العلماء في تصحيح الحديث
الحاكم النيسابوري قال عقب إخراجه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
الذهبي وافق الحاكم في التلخيص على صحة الإسناد.
ابن حجر العسقلاني ذكر الحديث في سياق أخبار الفتن، وبيّن أن رجاله ثقات.
الهيثمي قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد رجال الصحيح.
الألباني نصّ في السلسلة الصحيحة على أن الحديث من أصح الأحاديث، وردّ محاولات تضعيفه.
إجماع هؤلاء يدل على أن الطعن في أصل الحديث موقف متأخر مخالف لمنهج المحدثين.
خامسًا: مناقشة أهم الاعتراضات
1) الاعتراض على قيس بن أبي حازم
قيل: كان يحمل على علي أو تغيّر في آخر عمره.
والجواب:
توثيق قيس هو قول جمهور النقاد، وإخراج البخاري ومسلم له أقوى دليل. الطريق المعتمد هنا من رواية شعبة عن إسماعيل عنه، وهي من أصح الروايات وأقدمها. لم يثبت أن المتن من رواياته المتأخرة.
2) التشكيك في القصة التاريخية المصاحبة
بعض التفاصيل مثل إحضار شهودٍ ليقولوا “ليس هذا ماء الحوأب” وردت بطرق تاريخية فيها ضعف.
لكن يجب التفريق بين:
ثبوت أصل الحديث النبوي: وهو صحيح بسنده. تفاصيل الحادثة بعد ذلك: قد يصح بعضها ويضعف بعض.
فلا يجوز إسقاط النص الصحيح بسبب اختلاف في ملابسات تاريخية لاحقة.
3) الإشكال العقدي: هل الحديث ذمٌّ صريح؟
الحديث بصيغته إخبار وتحذير نبوي، وليس حكمًا فقهيًا مباشرًا.
وغاية ما يدل عليه: أن النبي ﷺ نبّه على فتنة تقع، وأن إحدى أمهات المؤمنين ستكون في موضعها، وهذا من دلائل النبوة.
سادسًا: الشواهد المؤيدة
ورد عن ابن عباس بلفظ:
«أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تنبحها كلاب الحوأب…»
وهذا الشاهد—مع اختلاف يسير في اللفظ—يدعم أصل الخبر ويؤكد أنه كان معروفًا بين الصحابة قبل وقوع الجمل.
سابعًا: الدلالة العلمية للحديث
الحديث إخبار غيبي سابق للحدث، وهو من دلائل صدق النبي ﷺ. لا يتضمن سبًّا ولا طعنًا، بل تحذيرًا من فتنة. فهمه يجب أن يكون في إطار النصوص الأخرى التي تأمر بلزوم البيوت وعدم الخروج زمن الاضطراب.
الخلاصة النهائية
الحديث ثابت الإسناد من طريق صحيح لا مطعن فيه. صحّحه أئمة كبار: الحاكم، الذهبي، ابن حجر، الهيثمي، الألباني. الاعتراضات المثارة لا تنهض لإسقاطه. دلالته خبرٌ نبويّ تحقّق يوم الجمل، وهو من أعلام النبوة.
رواية المستدرك على الصحيحين
أولاً : نص الرواية
َحدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، ثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ:
**لَمَّا بَلَغَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَعْضَ دِيَارِ بَنِي عَامِرٍ نَبَحَتْ عَلَيْهَا الْكِلَابُ، فَقَالَتْ: “أَيُّ مَاءٍ هَذَا؟” قَالُوا: الْحَوْأَبُ، قَالَتْ: “مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً”، فَقَالَ الزُّبَيْرُ:
“لَا بَعْدُ، تَقَدَّمِي وَيَرَاكِ النَّاسُ، وَيُصْلِحُ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِهِمْ”، قَالَتْ: “مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ إِذْ نَبَحَتْهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ”
المستدرك على الصحيحين/ الحاكم النيسابوري
الجزء 3 / صفحة 129
رقم الحديث 4613 / رقم الصفحة
ثانياً : تحليل وترجمة رجال السند واحدًا واحدًا بحسب كتب الجرح والتعديل عند أهل السنّة، مع خلاصة الحكم على كل راوٍ
1) أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ
هو:
محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل الشيباني النيسابوري
المعروف بـ ابن الأخرم، من شيوخ الحاكم النيسابوري. من كبار الحفاظ في نيسابور.
أقوال العلماء فيه:
قال الحاكم: “الإمام الحافظ الثقة”. قال الذهبي: “الحافظ الكبير، أحد الأثبات”. وثّقه الخطيب البغدادي.
الحكم: ثقة حافظ.
2) محمد بن عبد الوهاب العبدي
هو:
محمد بن عبد الوهاب بن أبي حفص العبدي البصري
أقوال العلماء:
قال ابن أبي حاتم: صدوق. ذكره ابن حبان في الثقات. لم يُعرف عنه جرح معتبر.
الحكم: صدوق، حديثه حسن.
3) يعلى بن عبيد
هو:
يعلى بن عبيد الطنافسي الكوفي
من كبار أئمة الحديث.
أقوال العلماء:
قال يحيى بن معين: ثقة. قال أحمد بن حنبل: ثقة ثبت. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. قال الذهبي: من أوعية العلم.
الحكم: ثقة ثبت بلا خلاف.
4) إسماعيل بن أبي خالد
هو:
إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي الكوفي
من أئمة الكوفة المشهورين.
أقوال العلماء:
قال ابن معين: ثقة. قال أحمد: ثبت. قال العجلي: كوفي ثقة. أخرج له البخاري ومسلم.
الحكم: ثقة متفق على توثيقه.
5) قيس بن أبي حازم
هو:
قيس بن أبي حازم البجلي
من كبار التابعين، أدرك عددًا من الصحابة وروى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعائشة.
أقوال العلماء:
قال ابن معين: ثقة. قال العجلي: تابعي ثقة. أخرج له البخاري ومسلم.
ملاحظة مهمة:
بعض المتأخرين قالوا: تغيّر في آخر عمره، لكن:
رواية إسماعيل بن أبي خالد عنه من أمتن رواياته، لأنها قديمة قبل الاختلاط – على فرض ثبوته.
الحكم: ثقة، وروايته هنا من أصح طرقه.
النتيجة النهائية لحال السند
الراوي
الحكم
محمد بن يعقوب الحافظ
ثقة حافظ
محمد بن عبد الوهاب العبدي
صدوق
يعلى بن عبيد
ثقة ثبت
إسماعيل بن أبي خالد
ثقة
قيس بن أبي حازم
ثقة
السند صحيح على منهج أهل الحديث، ولذلك قال الحاكم:
“هذا حديث صحيح على شرط الشيخين”
ووافقه الذهبي في التلخيص.
ملاحظات علمية مهمّة
هذا الحديث هو أصل حديث “كلاب الحوأب” المشهور في كتب السنة. له طرق أخرى عند:
أحمد في المسند ابن حبان الطبراني ابن أبي شيبة
وهي تقوّي بعضُها بعضًا.
أصل الحديث (طريق قيس عن عائشة)
هذا الطريق ثابت في مسند أحمد بسند قوي جدًا:
أحمد: من طريق محمد بن جعفر (غندر) عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عائشة… وفيه: «أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب…»
وهذه فائدة كبيرة لأن شعبة من أئمة النقد، وطريقه عادة “مصفّى”.
ثالثاً : تصحيح كبار أهل الحديث له
(أ) الحافظ ابن حجر
ذكر طريق “صاحبة الجمل الأدبب/الحوأب” وأن رجاله ثقات، ونقل توثيق الإسناد (في سياق “الفتن”).
(ب) الهيثمي
نُقل عنه في مجمع الزوائد أن رجال أحمد رجال الصحيح (أي رجال الإسناد على شرط الصحيح).
(ج) الألباني
صحّح الحديث في السلسلة الصحيحة وصرّح بأنه من أصح الأحاديث، وذكر تخريجه من أحمد وابن حبان والحاكم.
وبصياغة “الموسوعة الحديثية” أيضًا: حكم الألباني عليه “من أصح الأحاديث”.
رابعاً : شواهد ومعاضدات (تقوية المعنى)
هناك شاهد مشهور عن ابن عباس بلفظ: «أيتكن صاحبة الجمل الأدبب… تنبحها كلاب الحوأب…»
وقد ذُكر تخريجه وأن رجاله ثقات.
هذا الشاهد مهم لأنه:
يثبت أن “إخبار النبي” بالواقعة لم يأتِ من طريق واحد فقط. ويقوّي أصل القصة من جهة تعدد المخارج.
خامساً : أشهر الاعتراضات على الحديث والرد المختصر عليها
الاعتراض (1): “قيس بن أبي حازم فيه كلام/أو كان يحمل على علي”
حتى لو قيل بهذا في بعض النقول، فالعبرة هنا بأمرين:
قيس ثقة عند جمهور النقاد وقد أخرج له الشيخان، والطعن فيه ليس طعنًا مُجمعًا عليه. طريق أحمد هنا يمر عبر إسماعيل بن أبي خالد ثم شعبة (أشد الناس انتقاءً)، وهذا يجعل الإسناد قويًا جدًا من جهة الصناعة الحديثية.
الاعتراض (2): “القصة التاريخية فيها تفاصيل متنازع عليها (مثل شهادة الزور: ليس هذا ماء الحوأب)”
هذه نقطة مهمّة:
ثبوت الحديث (أنها قالت: الحوأب وتذكرت الخبر) شيء. وتفاصيل الحيلة/الشهود شيء آخر قد تأتي من طرق تاريخية فيها ضعف أو اختلاف. فحتى لو سقطت بعض التفاصيل التاريخية، يبقى أصل الحديث ثابتًا بسنده.
الاعتراض (3): “كيف يُفهم الحديث؟ هل هو أمرٌ بالرجوع؟”
اللفظ نفسه إخبار/تحذير: «كيف بإحداكن…»، وليس فيه نص صريح “ارجعي”.
أما الاستدلال الفقهي/الموقف الشرعي فهو باب آخر (يُبنى على مجموع النصوص والوقائع)، ولذلك نجد من أهل العلم من يذكر أنها خرجت “للإصلاح” ثم وقعت الفتنة.
سادساً : صيغة جاهزة مختصرة للمناظرة (إن احتجتِ)
إذا قال لك أحد: “حديث الحوأب ضعيف” قُل له باختصار:
“هو في مسند أحمد بإسناد قوي: شعبة عن إسماعيل عن قيس عن عائشة.” “وصححه الألباني وقال: من أصح الأحاديث.
ونقل أهل العلم أن رجاله ثقات (كابن حجر/الهيثمي).